ميكالنجلو والرّجل الفيل

بقلم رامز عوض

وقف “ميكالنجلو” يتأمّل بإعجاب تمثال “داوود” بعد وضع لمساته الأخيرة عليه. وداخَلَه إحساس بالفخر، وهو يمرّر أنامله على انحناءات الجسد المنحوت، حتّى أحسّ باضطرامٍ حسّيٍّ يدغدغه واحترارٍ يلفح وجهه واعترامٍ ينفخ قلبه

ولمّا همّ، يريد تصريف احتراره بتنشّق أنسام فلورنسيّةٍ من شرفة داره، بوغِت بالرّجل الفيل “جوزيف ميريك”* يقف إلى جواره، وهو يراقب منحوتة “داوود”ن

وبوغت أكثر عندما وقف قرب التّمثال وخلع بخفّةٍ كلّ ثيابه وأصبح عاريًا تمامًا، متّخذًا وضعيّة الملك داوود

ذُعر “ميكالنجلو” من تشوّهات جسد الرّجل الفيل، وجَحظَت عيناهُ اللّتان ألِفَتا مقاييس جماليّة خاصّة به… وبلا وعْيٍ وضع كفّه أمام ثغره مستهوِلًا الفضيحة المعروضة أمامه

بادله “ميريك” بقوله: “في كلّ أعمالك يا سيّد “بيوناروتّي” اتّساق وتكامُل ورؤًى تتجسّد على نحوٍ لا يؤذي العين. كأنّ نُبلَ الأفكار والروح لا يُعبَّر عنه إلّا بأجساد كاملة وجميلة وذات 6 باكس. هل الجمال هو المألوف وكمال الأجسام وإبراز الفِتن الجسمانيّة وتكوّر الأرداف والنّهود والخصيّ؟ ألا يعكس هذا فقرًا في روحك وضحالةً في خيالك؟ انظر في عينيّ جيّدًا… انظر في مواكب الطّيور الّتي تنادي المجاهل في بؤبؤَيْهما… انظر في كتفيَّ وخرطومي وفي كلّ جسدي، ألا ترى نِثارَ حضور إلهيّ، رفرف قبل هنيهةٍ، وترك وراءه ظلمة ليالٍ مشتهاة الكُنْه؟

أنا أغنية أدندنها على ضفّة الغيب. من نِعَمها عليّ أنّها لاحت لي ولم تستتر، البِلِي يسْترَك سَتْر. ألا ترى إلّا أجسادًا كاملة الجمال وفق مقاييسك، معروكة الأعضاء، تعرك أعضاءك عركًا؟

غطّى “بيوناروتي” عينيه وبقي فاغر الفم. ارتدى “جوزيف ميريك” ثيابه، وكما جاء، مضى

ودفن “بيوناروتي” نفسه في أعماله ينحت ويرسم كمال الأجساد البشريّة، وقلبه طفل مذعور يترقّب بفزعٍ وخبَل ما لم يتصوَّر يومًا أنّه موجود

 

 أو الرّجل الفيل عاش في إنكلترا أيّام الحكم الفيكتوريّ Joseph Merrick جوزيف ميريك*
وُلِد مشوّهًا على هيئة تشبه الفيل. وقضى عمره القصير معذَّبًا في مجتمع لا يقبل الاختلاف ولا يرحم الذين يناقضون الصّورة النّمطيّة “السّويّة”. لم يكن سويّ الشّكل ولكنه كان سويّ الرّوح. بينما كان رافضوه أسوياء الشّكل ولكن مشوّهي الرّوح

 

v0_master